الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
315
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
محل البحث في المقام على ما يقتضيه ظاهر تعبيرهم ويجري فيها ما ذكرناه من الكلام في المقام من كون مجرد الأمر المذكور أمرا للثالث أولا بذلك الفعل مع قطع النظر عن أمر الثاني له ومن كون أمر الثاني إياه بمنزلة الأمر الأول قائما مقامه أما الأول فقد عرفت أنه الظاهر من العنوان إلا أن كون مجرد أمره بالأمر أمرا بالثالث محل نظر وليس في إفادته ذلك إلا من جهة قضاء ظاهر العرف بإرادة التبليغ وجريان المخاطبات على ذلك بحيث ينصرف الإطلاق إليه وذلك غير ظاهر والقول بإفادته عند الإطلاق على ما هو الملحوظ بالبحث في المقام نظرا إلى الوجه المذكور غير متجه فالأظهر عدم دلالته على كونه أمرا للثالث إلا أن يقوم شاهد في المقام على إرادة التبليغ بحيث ينصرف إليه اللفظ وحينئذ فلا كلام وكذا لو قام في المقام شاهد على كونه نفس الفعل محبوبا عنده مطلوبا لديه وإن تحقق في طلبه في الظاهر بواسطة أمر الآمر به فبعد علم المأمور بذلك يجب الجري عليه ولو مع قطع النظر عن أمر الثاني وأما الثاني فلا يبعد قضاء الإطلاق به إما لكونه توكيلا في الأمر فيكون الأمر الثاني به بمنزلة الأمر الصادر من الأول قائما مقامه فإن الأمر بالشيء من صيغ التوكيل فيكون الأمر الأول توكيلا للثاني وأمر الثالث بالفعل حيث أمره بأمره وإما لإفادة أمره بالأمر إيجاب طاعته على الآمر ألا ترى أنه لو قال مر عبدي بما شئت وما أجبت ونحو ذلك أفاد عرفا أنه يريد من العبد انقياده لأوامره والإتيان بما يحبه ويريده وحينئذ فيكون الثالث مأمورا من الثاني أولا ومن الأول بواسطة أمر الثاني به من جهة إيجابه لطاعته لا لكون خصوص الفعل مطلوبا من قبل الأول كما أن إيجاب اللّه طاعة المولى على العبد قاض بكون العبد مأمورا من قبل اللّه سبحانه بأداء ما أمر به المولى لكن من الجهة المذكورة وهذه أيضا طريقة جارية في العرف يجري في أوامر الرسول والأئمة لإيجابه سبحانه طاعتهم على الأمة فيكون أوامرهم أمرا من اللّه تعالى من تلك الجهة فعلى الوجه الأول يكون الثالث مأمورا من الأول خاصة ويكون وظيفة الثاني إيقاع الأمر من قبل الأول وعلى الثاني يكون مأمورا من كل منهما إلا أن وجوب طاعة الثاني إنما يجيء من جهة الإيجاب الأول فظهر بملاحظة ما ذكرناه أن مفاد الأمر بالأمر عند الإطلاق كون الثالث مأمورا بذلك الفعل من الأول بعد تحقق الأمر من الثاني إلا أن يقوم شاهد في المقام على إرادة مجرد أوامره بالفعل من غير أن يكون ذلك الأمر من جهة الأمر بالأمر ولا من جهة إرادة الأداء مطلوبة وإلا فظاهر الإطلاق هو ما ذكرناه كما لا يخفى على من تأمل فيما قررناه فتلخص مما بيناه أن جهات كون الأمر بالأمر بالشيء أمرا به أمور أحدها من جهة فهم العرف كون الفعل محبوبا عند الآمر مطلوبا لديه ثانيها من جهة إرادة التبليغ والإيصال إليه فعلى الثاني إما أن يكون الأمر الصادر من الأول على حقيقته وإنما يراد به مجرد اطلاع [ إبلاغ ] الأمر وعلى الأول لا يبعد إرادة الأمر فيه على وجه الحقيقة فإن أفاد كونه مطلوبا للآمر الأول وهذان الوجهان يفيدان كون الأمر بالأمر أمرا للثالث مع قطع النظر عن أمر الثاني إلا أنك قد عرفت أنهما يدوران مدار شواهد الأحوال وقرائن المقام واستفادتهما من الإطلاق غير ظاهر فلا يتم الاستناد إليهما في المقام ثالثها من جهة إرادة التوكيل الثاني في الأمر رابعها أن يعد ذلك من جهة إيجاب الطاعة وهذان الوجهان يفيدان أمره به بعد أمر الثاني على حسبما قربناه واخترناه هذا وينبغي أن يعلم أنه لا فرق فيما ذكرناه من أن يأمره إيجابا بالأمر الإيجابي أو أن يأمره ندبيا بالأمر الندبي ولو أمره ندبا بالأمر الإيجابي أو أمره إيجابا بالأمر الندبي أمكن القول بدلالته على ندبه للثالث ابتداء إذ بعد الأمر الآخر به يحتمل عدمه ويعرف الحال فيه من التأمل فيما قررناه ثم إنه يجري جميع ما ذكرناه فيما إذا أمره بنهي غيره عن شيء في إفادة نهي الآمر عنه أولا إذ الأبعد نهي الثاني ويجري فيه الوجوه المذكورة إلى آخرها والظاهر أن القائل بكون الأمر بالأمر أمر يقول به هنا والمانع منه يمنعه ولو نهاه عن النهي عنه فمن الظاهر عدم إفادة النهي عنه وإنما التأمل في دلالته على عدم المنع من الفعل وجواز الإتيان به ولا يبعد القول بإفادته ذلك كما أنه لو نهاه عن الأمر لكان أمكن القول بدلالته على جواز الترك وعدم المنع منه إذ لا مانع من النهي عن الحرام والأمر بالواجب فيكون المنع منهما شاهدا على انتفاء التحريم والوجوب إلا أن يكون المقام شاهدا على كون المنع منه من جهة نفس النهي ولو أمره بالإذن لغيره في الفعل أو الترك جرى فيه الكلام المتقدم أيضا من كونه إذنا للثالث ابتداء أو بعد إذن الثاني وكذا لو أذن له في الإذن كذلك ولو نهاه عن الإذن كذلك أمكن القول بدلالته على المنع من الفعل في الأول ومن الترك في الثاني فيظهر الحال في الوجوه المحتملة في تلك الفروض من التأمل فيما قررناه